الشيخ محسن الأراكي

25

نظرية الحكم في الإسلام

على مصدر آخر في اتّصافه بالحسن والصواب والصلاح ، وإلّا لم يكن المصدر الأوّلي والمقياس الذاتي لهذه الصفات . وقد اتّضح بما ذكرناه أنّ « الإرادة الإنسانية » - مطلقا - لا يمكن أن تكون مصدرا لشرعية الفعل الإنساني ( سواء كان فعلا فرديا أو اجتماعيا ) ، بل الإرادة الإنسانية - مطلقا - بحاجة إلى مصدر قبلي للشرعية ؛ تستمدّ الإرادة الإنسانية ( وكذا : الفعل الإنساني الصادر عنها ) شرعيّتها منه . ولا بدّ للمصدر القبلي للشرعية أن يكون مستغنيا عن أي مصدر قبلي آخر - كما أشرنا - وإلّا لوقعنا في دوّامة فارغة من الدور الباطل ، أو التسلسل الممتنع . العقل ومصدر الشرعية ومن الواضح أنّ « العقل الإنساني » لا يمكن أن يكون ذلك المصدر القبلي ؛ لأنّ العقل الإنساني بدوره يحتاج إلى مصدر قبلي يحدّد على ضوئه : الصحيح والصواب ، أو : العدل والظلم ، أو : الحسن والقبيح في السلوك الإرادي ، فلئن كان العقل الإنساني لا يخطئ في إدراكه لبعض العموميات الكبرى من القضايا العملية الإنسانية وقضايا الحسن والقبح والعدل والظلم ، ولكنّه يخطئ كثيرا في تفاصيلها وتطبيقاتها ، يشهد لذلك واقع التجربة العقلية العملية للإنسان على مدى القرون ، ومنذ بدايات عصور التفكير الإنساني ، إذ شهدت الساحة الفكرية الإنسانية - وما زالت - ألوانا لا تحصى من الخلاف الفكري المحتدم الشامل حول تفاصيل قضايا « العدل والظلم » ، و « الحسن والقبح » ، وساير القضايا العملية بين شرائح المفكّرين ، وصنوف العقلاء من أبناء الجنس البشري .